يوسف المرعشلي

912

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

1280 ه سافر للحجاز فحجّ . ثم استخدم بدار الكتب بالقاهرة مغيرا ، حتى كانت الثورة العرابية ، واتجهت الأنظار لتنصيب المصريين في المناصب الكبيرة ، فساعده صديقه ومريده محمود سامي باشا البارودي على إقامته ناظرا على هذه الدار سنة 1299 ه ، فتمت له نظارتها بعد ما سعى كثيرون لها فلم يوفقوا . ثم لما هدأت الأمور ، وانتهت الثورة ، كان المترجم يتوقع القبض عليه كما فعل بكثيرين ، للعلم بأنه من صنائع البارودي ، ولكن الخديوي السابق توفيق رأى الاكتفاء بفصله من دار الكتب وتعيينه خطيبا في المسجد الحسيني ، ثم جعل شيخا لخدمة هذا المسجد في ثاني صفر سنة 1311 ه . ولما غضب الخديوي على السيد محمد توفيق البكري نقيب الأشراف وشيخ الطوائف الصوفية وأمره بالاستقالة من النقابة فاستقال ، سعى للمترجم صديقه ورفيقه في الحضور الشيخ حسونة النواوي وكان إذ ذاك رئيسا لمجلس إدارة الأزهر قبيل إقامته شيخا عليه ، فأمر الخديوي بتعيين المترجم نقيبا للأشراف في 6 شوال سنة 1312 ، فاعتنى بضبط مدخولها وجدّد من أوقافها ست دور بناها بجهة الحلمية ، وصار يصرف الاستحقاقات في أوقاتها ، وسئل في رياسة الخدمة بالمسجد الحسيني ، فقال : إن كانت النقابة تمنعني من خدمة سيدنا الحسين لا أقبلها . فأبقي كما كان . وأقام المترجم في النقابة نحو ثماني سنوات يجدّد معالمها ، ويحيي ما درس منها ، حتى نقل منها شيخا للأزهر . وكان سبب ذلك أن الخديوي انحرف عن شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري ، وانتهى الأمر باستقالته يوم الأحد 2 ذي الحجة سنة 1320 ه . وأراد الخديوي إعادة الشيخ حسونة النواوي أو تنصيب الشيخ محمد بخيت المطيعي فلم يوافق النظار على ذلك ، فرشّح الشيخ أحمد الرفاعي المالكي وأعلمه بذلك ، وكادت تتمّ له لولا عوارض اعترضت ، ثم سعى الشيخ علي يوسف صاحب صحيفة المؤيد ومن أكبر المقربين من الخديوي للشيخ المهدي ابن العلامة محمد المهدي العباسي ، فرد عليه بأنه لا يصلح لخموله وعدم توليته أمورا قبل الآن ، فأجاب بأنه وإن كان كذلك فهو من بيت علم وغنى ، تربّى في نعمة فلا تطمح نفسه لشيء مما في الأيدي ، وتدربه على الأمور قريب مدرك . فرضي الخديوي به ، ولكن النظار لم يوافقوه عليه لأمور نقمها عليه ناظر الحقانية مدة ما أقامه عضوا بالمجلس الحسبي ، فحار الخديوي وحنق ، وطلب دفتر أسماء العلماء فوقع نظره على اسم المترجم فارتضاه وجنح إلى توليته ، ولم يكن خطر على بال أحد ، وساعد الشيخ علي يوسف على ذلك ليتمكّن من ردّ السيد محمد توفيق البكري إلى النقابة ، فتم له الأمر ورضي به النظار ، وأعيد البكري إلى النقابة مضافة إلى ما بيده من رياسة الطرق الصوفية ، وصدر الأمر في 2 ذي الحجة بإقالة الشيخ سليم من الأزهر وتنصيب المترجم ، فلما ذهب لشكر الخديوي كالعادة استصحب معه ولده الأصغر السيد محمود ، والتمس إقامته شيخا على المسجد الحسيني بدله كما أقيم أخوه الأكبر السيد محمد قبله خطيبا له ، فقبل ملتمسه ، وأجيبت رغبته . وكان الخديوي في ذلك الحين منحرفا عن الشيخ محمد عبده مفتي مصر والعضو بمجلس إدارة الأزهر وصاحب الكلمة العليا فيه ، فكان يظن أن المترجم يوافقه في معاكسة الشيخ ومعارضته وعرقلة مساعيه ، فأخطأ ظنه ، لأن المترجم مال للشيخ كل الميل ، ووافقه في كل مشروع ، واتحدّ به واندرج فيه ، حتى لم يكن له من الرياسة غير رسومها ، والكلمة كلمة المفتي . ولما سئل في ذلك ، اعتذر بأن الرجل لا يريد غير الإصلاح ، فلا يرى وجها لمعارضته . فكان ذلك سببا لميل الخديوي عنه - بعد إقباله عليه . ولما اعتزم الإمام محمد عبده نفض يده من الأزهر ، رأى المترجم أن الأمور لا تجري على مرغوبه ، فاستقال من الأزهر يوم الثلاثاء 9 المحرم سنة 1323 ه فأقيل يوم السبت 12 منه ، وأقيم بدله الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي ، واستقال أيضا المفتي من مجلس الإدارة مرغما . وأقام المترجم بعد ذلك بداره التي بجهة المناصرة ، بعد أن رتب له الخديوي خمسة وعشرين دينارا مصريا من الأوقاف الخيرية تصرف له كل شهر ، وظل مواظبا على تلاوة القرآن كعادته ، مقبلا على العبادة ، حتى ازداد به المرض سنة 1323 ه ، وتوفّاه اللّه في غروب يوم الجمعة الثالث من ذي القعدة من تلك السنة ، فشيعت جنازته بعد عصر يوم السبت ، وصلي